النص القرائي: أَوَّلُ قَرَارٍ... أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلََّمَ
كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَةِ خَارِجَ دَارِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فِي زِيٍّ رَسْمِيٍّ، وَوَقَفَ فَوْقَنَا. جَرَى الصِّبْيَةُ، وَبَقِيتُ أَنْظُرُ إِلَى الْفَرَسِ وَإِلَى الرَّجُلِ فَوْقَهُ. سَأَلَنِي عَنِ اسْمِي فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ لِي: "كَمْ عُمْرُكَ؟"، فَقُلْتُ لَهُ: "لَا أَدْرِي". قَالَ لِي: "هَلْ تُحِبُّ أَنْ تَتَعَلَّمَ فِي الْمَدْرَسَةِ؟"، قُلْتُ لَهُ: "مَا الْمَدْرَسَةُ؟". فَقَالَ لِي: "بِنَاءٌ جَمِيلٌ مِنَ الْحَجَرِ وَسَطَ حَدِيقَةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى شَاطِئِ النِّيلِ. يُدَقُّ الْجَرَسُ وَتَدْخُلُ الْقِسْمَ مَعَ أَقْرَانِكَ. تَتَعَلَّمُ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ"... قُلْتُ لِلرَّجُلِ: "أَذْهَبُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ".
أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ فَوْقَ الْحِصَانِ، وَحَمَلَنِي إِلَى مَكَانٍ، كَمَا وَصَفَهُ، وَدَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ ذِي لِحْيَةٍ، يَلْبَسُ جُبَّةً، فَقَامَ وَرَبَتَ عَلَى رَأْسِي، قُلْتُ لَهُ: "أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ الْمَدْرَسَةَ". نَظَرَ إِلَيَّ الرَّجُلُ بِعَطْفٍ، ثُمَّ قَيَّدُوا اسْمِي فِي سِجِلٍّ، وَسَأَلُونِي كَمْ عُمْرِي، فَقُلْتُ لَهُمْ "لَا أَدْرِي"، وَفَجْأَةً دَقَّ الْجَرَسُ فَفَرَرْتُ مِنْهُمْ، وَدَخَلْتُ إِحْدَى الْحُجُرَاتِ، فَجَاءَ الرَّجُلَانِ وَسَاقَانِي إِلَى حُجْرَةٍ أُخْرَى، وَأَجْلَسَانِي فِي مَقْعَدٍ بَيْنَ صِبْيَةٍ آخَرِينَ...
عُدْتُ إِلَى أُمِّي فِي الظُّهْرِ، فَسَأَلَتْنِي: "أَيْنَ كُنْتَ؟"، فَحَكَيْتُ لَهَا الْقِصَّةَ. نَظَرَتْ إِلَيَّ بُرْهَةً نَظْرَةً غَامِضَةً، كَأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَضُمَّنِي إِلَى صَدْرِهَا. فَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَهَا يَصْفُو بُرْهَةً، وَعَيْنَيْهَا تَلْمَعَانِ، وَشَفَتَيْهَا تَفْتَرَّانِ كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْتَسِمَ، أَوْ تَقُولَ شَيْئاً. لَكِنَّهَا لَمْ تَقُلْ شَيْئاً. وَكَانَتْ تِلْكَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِي. كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ قَرَارٍ اتَّخَذْتُهُ، بِمَحْضِ إِرَادَتِي... انْصَرَفْتُ بِكُلِّ طَاقَاتِي لِتِلْكَ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ.
وَسُرْعَانَ مَا اكْتَشَفْتُ فِي عَقْلِي مَقْدِرَةً عَجِيبَةً عَلَى الْحِفْظِ وَالِاسْتِيعَابِ وَالْفَهْمِ. أَقْرَأُ الْكِتَابَ فَيَرْسَخُ جُمْلَةً فِي ذِهْنِي... مَا أَلْبَثُ أَنْ أُرَكِّزَ عَقْلِي فِي مُشْكِلَةِ الْحِسَابِ حَتَّى تَتَفَتَّحَ لِي مَغَالِقُهَا. تَعَلَّمْتُ الْكِتَابَةَ فِي أُسْبُوعَيْنِ، وَانْطَلَقْتُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا أَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، لَمْ أُبَالِ بِدَهْشَةِ الْمُعَلِّمِينَ وَإِعْجَابِ رُفَقَائِي أَوْ حَسَدِهِمْ. كَانَ الْمُعَلِّمُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ كَأَنَّنِي مُعْجِزَةٌ، طَوَيْتُ الْمَرْحَلَةَ الْأُولَى فِي عَامَيْنِ، وَفِي الْمَدْرَسَةِ الْوُسْطَى اكْتَشَفْتُ عُلُوماً وَمَعَارِفَ أُخْرَى، مِنْهَا اللُّغَةُ، الْكَلِمَاتُ وَالْجُمَلُ تَتَرَاءَى لِي كَأَنَّهَا مُعَادَلَاتٌ رِيَاضِيَّةٌ، وَالْجَبْرُ وَالْهَنْدَسَةُ كَأَنَّهَا أَبْيَاتُ شِعْرٍ، الْعَالَمُ الْوَاسِعُ أَرَاهُ فِي دُرُوسِ الْجُغْرَافِيَا كَأَنَّهُ رُقْعَةُ شَطْرَنْجٍ.
كَانَتِ الْمَرْحَلَةُ الْوُسْطَى أَقْصَى غَايَةٍ يَصِلُ إِلَيْهَا الْمَرْءُ فِي التَّعْلِيمِ تِلْكَ الْأَيَّامَ. وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، قَالَ لِي نَاظِرُ الْمَدْرَسَةِ، وَكَانَ إِنْجْلِيزِيّاً: "هَذَا الْبَلَدُ لَا يَتَّسِعُ لِذِهْنِكَ، فَسَافِرْ، اذْهَبْ إِلَى مِصْرَ أَوْ لُبْنَانَ أَوْ إِنْجِلْتِرَا. لَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ نُعْطِيكَ إِيَّاهُ بَعْدَ الْآنَ".
شروحات مساعدة:
- الصِّبْيَةُ: جَمْعُ صَبِيٍّ - الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ.
- زِيٌّ رَسْمِيٌّ: لِبَاسُ الْخِدْمَةِ مِثْلَ لِبَاسِ الْجُنُودِ.
- أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ: أَرْكَبَنِي خَلْفَهُ.
- بُرْهَةً: لَحْظَةً، زَمَناً قَصِيراً.
- تَفْتَرَّانِ: تَنْفَرِجَانِ قَلِيلاً.
- لَا أَلْوِي عَلَى شَيْءٍ: لَا أَهْتَمُّ بِشَيْءٍ آخَرَ.
قِرَاءَةُ النَّصِّ قِرَاءَةً صَامِتَةً
أَقْرَأُ النَّصَّ قِرَاءَةً صَامِتَةً مُتَأَنِّيَةً مُحْتَرِماً قَوَاعِدَ الْقِرَاءَةِ الْجَيِّدَةِ، وَأَضَعُ سَطْراً تَحْتَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَمْ أَفْهَمْهَا.
التَّدَرُّبُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِطَلَاقَةٍ
الْفَهْمُ الْمُبَاشِرُ
1. بِطَاقَةُ تَعْرِيفِ النَّصِّ:
| العنوان | الكاتب | المصدر (الرواية) | دار النشر | مكان النشر |
|---|---|---|---|---|
| أول قرار... أريد أن أتعلم | الطيب صالح | موسم الهجرة إلى الشمال | دار العودة | بيروت |
2. الْوَضْعِيَّةُ التَّوَاصُلِيَّةُ:
- مَنِ الْمُتَحَدِّثُ؟ السَّارِدُ (بَطَلُ الْقِصَّةِ) مُتَحَدِّثاً عَنْ طُفُولَتِهِ.
- عَمَّ يَتَحَدَّثُ؟ عَنْ ذِكْرَيَاتِ الْتِحَاقِهِ بِالْمَدْرَسَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَنُبُوغِهِ فِيهَا.
- مَنِ الْمُخَاطَبُ؟ الْقَارِئُ.
- مَا الْغَايَةُ مِنَ الْخِطَابِ؟ سَرْدُ تَجْرِبَةِ النَّجَاحِ، وَأَهَمِّيَّةِ الْقَرَارِ الْأَوَّلِ فِي التَّعَلُّمِ.
3. أَجِدُ فِي النَّصِّ:
- • عِبَارَةً دَالَّةً عَلَى الْإِصْرَارِ: "أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ الْمَدْرَسَةَ" / "انْطَلَقْتُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا أَلْوِي عَلَى شَيْءٍ".
- • عِبَارَةً دَالَّةً عَلَى التَّعَاطُفِ: "نَظَرَ إِلَيَّ الرَّجُلُ بِعَطْفٍ" / "رَبَتَ عَلَى رَأْسِي".
4. أُرَتِّبُ الْأَحْدَاثَ حَسَبَ وُرُودِهَا فِي النَّصِّ:
- 1 ب. مُرَافَقَةُ الطِّفْلِ رَجُلاً عَلَى فَرَسٍ فِي زِيٍّ رَسْمِيٍّ إِلَى الْمَدْرَسَةِ.
- 2 أ. انْدِمَاجُ الطِّفْلِ فِي الْحَيَاةِ الْمَدْرَسِيَّةِ وَإِقْبَالُهُ عَلَى الدِّرَاسَةِ بِحَمَاسَةٍ.
- 3 د. نُبُوغُ الطِّفْلِ فِي دِرَاسَتِهِ بِفَضْلِ قُدُرَاتِهِ فِي الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ وَالِاسْتِيعَابِ.
- 4 ج. نُصْحُ نَاظِرِ الْمَدْرَسَةِ الطِّفْلَ بِالسَّفَرِ لِإِكْمَالِ دِرَاسَتِهِ، لِأَنَّ الْبَلَدَ لَا يَتَّسِعُ لِذَكَائِهِ.
الْفَهْمُ الِاسْتِنْتَاجِيُّ
1. مَا الْحَدَثُ الَّذِي يُشَكِّلُ "وَضْعِيَّةَ الْبِدَايَةِ" فِي النَّصِّ؟
2. الْقَرَارُ الَّذِي أَحْدَثَ التَّحَوُّلَ فِي مَسَارِ الْحِكَايَةِ هُوَ؟
3. أَيٌّ مِنَ الْمَرَاحِلِ الْآتِيَةِ تُمَثِّلُ مَرْحَلَةَ "النِّهَايَةِ" فِي خُطَاطَةِ الْحِكَايَةِ؟
4. مَا نَوْعُ الصِّرَاعِ الظَّاهِرِ فِي النَّصِّ؟
5. أُحَدِّدُ أَوْصَافَ الشَّخْصِيَّاتِ وَوَظَائِفَهَا السَّرْدِيَّةَ:
| الشَّخْصِيَّةُ | دَوْرُهَا (رَئِيسَةٌ / ثَانَوِيَّةٌ) | صِفَاتُهَا (الِاجْتِمَاعِيَّةُ/النَّفْسِيَّةُ/السُّلُوكِيَّةُ) | وَظِيفَتُهَا السَّرْدِيَّةُ (بَطَلٌ/مُسَاعِدٌ/مُعَرْقِلٌ/مُحَايِدٌ) |
|---|---|---|---|
| الْأُمُّ | شَخْصِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ | حَنُونَةٌ - مُتَفَهِّمَةٌ - كَتُومَةٌ | مُسَاعِدٌ (بِالدَّعْمِ النَّفْسِيِّ) |
| الْعَسْكَرِيُّ (الرَّجُلُ عَلَى الْفَرَسِ) | شَخْصِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ | صَارِمٌ فِي زِيِّهِ لَكِنَّهُ مُوَجِّهٌ وَمُبَادِرٌ | مُسَاعِدٌ (الْمُحَفِّزُ الْأَوَّلُ) |
| مُدِيرُ الْمَدْرَسَةِ (ذُو اللِّحْيَةِ) | شَخْصِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ | عَطُوفٌ - مُسْتَقْبِلٌ | مُسَاعِدٌ (مُيَسِّرُ الْوُلُوجِ) |
| الْمُعَلِّمُونَ | شَخْصِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ | مُنْدَهِشُونَ - مُعْجَبُونَ بِنُبُوغِهِ | مُحَايِدٌ / مُسَاعِدٌ (شُهُودُ إِثْبَاتٍ) |
| نَاظِرُ الْمَدْرَسَةِ | شَخْصِيَّةٌ ثَانَوِيَّةٌ | إِنْجْلِيزِيٌّ - خَبِيرٌ - وَاقِعِيٌّ - نَاصِحٌ | مُسَاعِدٌ (يَفْتَحُ أُفُقَ النِّهَايَةِ) |
| الطِّفْلُ | شَخْصِيَّةٌ رَئِيسَةٌ | فُضُولِيٌّ - جَرِيءٌ - طَمُوحٌ - نَابِغَةٌ | الْبَطَلُ |
6. بِمَ تَصِفُ مَشَاعِرَ الْبَطَلِ حِينَ عَادَ إِلَى أُمِّهِ بَعْدَ أَوَّلِ يَوْمٍ فِي الْمَدْرَسَةِ؟ عَلِّلْ جَوَابَكَ.
التَّعْلِيلُ: حَارَ الطِّفْلُ فِي صَمْتِ أُمِّهِ وَنَظْرَتِهَا الْغَامِضَةِ، الَّتِي مَزَجَتْ بَيْنَ صَفَاءِ الْوَجْهِ وَالرَّغْبَةِ فِي الِابْتِسَامِ دُونَ أَنْ تَتَحَدَّثَ، فَلَمْ يَسْتَوْعِبْ فِي الْبِدَايَةِ هَلْ هِيَ غَاضِبَةٌ أَمْ سَعِيدَةٌ بِمَا فَعَلَ!
حَصِيلَتِي
أُلَخِّصُ النَّصَّ، وَأُحَدِّدُ مَا اسْتَفَدْتُهُ مِنْهُ:
يَسْرُدُ النَّصُّ تَجْرِبَةَ طِفْلٍ صَغِيرٍ قَادَتْهُ الصُّدْفَةُ وَالْفُضُولُ لاكْتِشَافِ عَالَمِ الْمَدْرَسَةِ. حَيْثُ اتَّخَذَ قَرَارَهُ بِالِالْتِحَاقِ بِهَا، وَأَظْهَرَ نُبُوغاً وَسُرْعَةَ اسْتِيعَابٍ أَدْهَشَتْ مُعَلِّمِيهِ، لِيَتِمَّ تَوْجِيهُهُ فِي النِّهَايَةِ لِإِكْمَالِ دِرَاسَتِهِ فِي الْخَارِجِ لِتَفَوُّقِهِ الِاسْتِثْنَائِيِّ.
وَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ أَنَّ الرَّغْبَةَ الصَّادِقَةَ فِي التَّعَلُّمِ تَصْنَعُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَنَّ طَرِيقَ النَّجَاحِ يَبْدَأُ بِقَرَارٍ شُجَاعٍ.